مكانة الاستقراء في الاجتهاد الإسلامي

د. الحسان شهيد

الاستقراء لغة من استقرأ يستقرئ استقراء، واستقرأه طلب إليه أن يقرأ، واستقرأ الأمور تتبع أقراءها لمعرفة أحوالها وخواصها، واقترى البلاد واستقراها وتقراها: تتبعها يخرج من أرض إلى أرض،واستقرأ الجمل الناقة تاركها لينظر ألقحت أم لا([1]).

أما من الوجهة الاصطلاحية فتتعدد معاني الاستقراء بتعدد مجالات الاختصاص.

فعند المناطقة عرّفه أرسطو بأنه «حكم على الجنس لوجود ذلك الحكم في جميع أنواعه. مثال ذلك: الجسم إما حيوان أو إنسان أو جماد، وكل واحد من هذه الأقسام متحيز، فينتج عن ذلك أن كل جسم متحيز»([2])، فهو «لا يريد بالأمثلة الجزئية في هذا السياق أفراداً، بل يريد أنواعاً، بمعنى أنك تـنظر إلى بقرة واحدة، لا على أنها فرد قائم بذاته، بل على أنها عينة تمثل نوعاً بأسره»([3]).

وقال ابن سينا: «الاستقراء هو كل كلي لوجود ذلك الحكم في جزئيات ذلك الكلي، إما كلها وهو الاستقراء التام، وإما أكثرها وهو الاستقراء المشهور»([4]).

وعرفه الغزالي في «معيار العلم» بقوله: «هو أن تتبع الحكم في جزئيات كثيرة، داخلة تحت معنى كلي،حتى إذا وجدت حكماً في تلك الجزئيات حكمت على ذلك الجزئي به»([5]). فالاستقراء على هذا المعنى يعمل على ربط النتائج بالأسباب، وذلك بتحديد القوانين التي تضبط هذه الظواهر وبنياتها الداخلية والمخطط النظري الذي يساعدنا على تمهيدها([6]).

وعرفه الخوارزمي بقوله: الاستقراء «هو تعرف الشيء الكلي بجميع أشخاصه»([7]).

أما الجرجاني فالاستقراء عنده هو «الحكم على كلي لوجوده في أكثر جزئياته، وإنما قال في أكثر جزئياته لأن الحكم لو كان في جميع جزئياته لم يكن استقراء، بل قياساً مقسماً، ويسمى هكذا لأن مقدماته لا تحصل إلا بتتبع جزئياته»([8]).

أما الاستقراء في اصطلاح علماء التربية فله معنيان، وإن تقاربا من حيث المضمون؛ فالأول: هو نمط من الاستدلال ينتقل بموجبه الفكر من ملاحظة ودراسة حالات جزئية إلى استخلاص حكم كلي يتم تعميمه على باقي الحالات المتشابهة للحالة الملاحظة؛ والثاني: قدرة المتعلم على التدرج من الجزء إلى الكل، ومن المثال إلى القاعدة، ومن الحالات الجزئية إلى الكليات والأفكار العامة، ويشمل القدرة على ربط الحقائق بعضها ببعض للوصول إلى فكرة جديدة أو قانون عام([9]).

ولا يبتعد مفهوم الاستقراء عند علماء الفقه والأصول عما سبق ذكره من تعريفات، حيث يعرفه أبو حامد بأنه «عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات»([10]).

وعرفه الإمام القرافي بأنه «تتبع الحكم في جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في الصورة النزاع على تلك الحالة»([11]).

وقال الرازي: «الاستقراء المظنون هو إثبات الحكم في كلي لثبوته في بعض جزئياته»([12]).

أما ابن قدامة فالاستدلال بالاستقراء عنده «هو عبارة عن تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على مثلها»([13]).

ولعل من أوضح تعاريف الاستقراء ذاك الذي أودعه الإمام الشاطبي في «موافقاته» بقوله: هو «تصفح جزئيات ذلك المعنى ليثبت من جهتها حكم عام، إما قطعي وإما ظني، وهو أمر مسلم عند أهل العلوم العقلية والنقلية، فإذا تم الاستقراء حكم به في كل حكم تقدر»([14]).

وإلى ذلك أشار ابن عاصم في منظومته الأصولية، حيث قال:

وهناك الاستقراء خذه رسما                       تتبع الجزئي حكماً حكما

ثم يرى والحكم فيه يطرد                       بذلك الحكم حيثما يرد([15])

أما تعريفات المتأخرين لمصطلح الاستقراء فلم تتميز عما ذكره سابقوهم من المتقدمين، ومنها على سبيل المثال:

تعريف المشاط؛ إذ قال فيه «تصفح الجزئيات ليحكم بها على أمر يشمل تلك الجزئيات، فهو استدلال بثبوت الحكم للجزئيات على ثبوته للكلي، عكس القياس المنطقي، وهذا هو الاستقراء التام»([16]).

وكذا محمد باقر الصدر، الذي قال بأنه «كل استدلال تجيء النتيجة فيه أكبر من المقدمات التي ساهمت في تكوين ذلك الاستدلال»([17])، أو هو «تلك العملية التي بواسطتها يمكننا الانتقال من معرفة الوقائع إلى القوانين التي تخضع لها»([18]).

أما من المعاصرين فقد حدده قطب مصطفى سانو «بأنه استدلال بثبوت حكم في الجزئيات، بناء على ثبوته في الأمر الكلي لتلك الجزئيات»([19]).

كما عرفه محمد محمد أمزيان بأنه المسلك الذي «يستخدم في إثبات الحقيقة العلمية، ويعتمد على الانتقال من الحكم على البعض إلى الكل على سبيل التعميم، وذلك بملاحظة الجزئيات، وإيراد التجارب عليها كلما أمكن ذلك، ثم الارتقاء إلى نتائج عامة في صورة قوانين تضيف جديداً إلى المعرفة العلمية»([20]).

وعليه فالدليل الاستقرائي نستدل به على ما نعرفه حقيقة في حالة أو حالات جزئية، ليصبح حقيقة في كل الحالات المشابهة للأولى من خلال بعض العلاقات المسوغة لهذا التشابه([21]).

 

ملاحظات استنتاجية في تعريف الاستقراء

بعد هذا الجرد المتـنوع لأهم تعاريف الاستقراء عند كلٍّ من أهل الفلسفة والمنطق من جهة، وأهل الفقه والأصول من جهة أخرى، يمكن الخروج بالملاحظات التالية:

1ـ إن الاستقراء في أصله دليل مشترك بين مختلف التخصصات العلمية، فهو منهج بحث وتتبع لجملة أفراد وجزئيات وأنواع يرشد إلى تكوين وصياغة قاعدة عامة، وقانون مطرد يستمر في بيان وكشف حقائق الأمور.

2ـ إن منهج الاستقراء في الفلسفة اليونانية، وخاصة المنطق الأرسطي، يتفرع عنه استقراء تام يفيد القطع والعلم اليقيني، كما يتفرع عنه استقراء ناقص يفيد الظن، أما عند جمهور الفقهاء والأصوليين فالاستقراء الناقص يفيد الظن الراجح الذي يرتقي إلى مرتبة القطع؛ لغلبة الظن فيه، وهذا ما سيتم الكشف عنه في الصفحات المقبلة.

3ـ إن من الأسس المادية للاستقراء في العلوم العقلية مسألتي الملاحظة، والتجربة، ثم وضع الفروض، وهذه عناصر أساسية تفضي إلى نتيجة، هي القاعدة أو القانون الاستقرائي، أما في علمي الفقه وأصوله فيختلف الأمر في بعضها؛ إذ يتم التركيز فيهما على تتبع الجزئيات واقتفائها، ومن ثم تعميم النتيجة المتحقق منها في تلك الفروع، وهذا ما يؤدي إلى حكم عام شامل كلي.

فالاستقراء إذاً عملية علمية استدلالية، والقائم بها متخصص في العلم المبحوث فيه؛ ومنهجه تتبع وتصفح كل الجزئيات والأفراد للمسألة أو أغلبها، وغايته صياغة حكم كلي أو قاعدة عامة مستغرقة لكل الفروع أو أكثرها، وفائدته الاستدلال به على بيان المسائل الأخرى وفهم الخطاب جملة.

 

حجية الاستقراء في أصول الفقه الإسلامي

اختلف الأصوليون حول حجية دليل الاستقراء، ويعود ذلك إلى أسباب سأذكرها عقب التعرف على كل مذهب من المذاهب.

فالاستقراء بحسب تقسيمه التقليدي ضربان: استقراء تام؛ واستقراء ناقص.

أما الاستقراء التام فهو حجة عند جميع الأصوليين؛ لأنه ضرب من الاستدلال العقلي المنطقي، الذي لا يدع مجالاً للعاقل للشك في حجيته والظن في دلالته.

وفي هذا يقول الناظم:

فإن يعم ذي اشتقاق                      فهو حجة بالاتفاق

وقال الشارح: «فالتام هو أن يعم الاستقراء غير صورة الشقاق، أي النزاع، بأن يكون ثبوت الحكم في ذلك الكلي بواسطة إثباته بالتتبع في جميع جزئياته، ما عدا صورة التـنازع، وهو دليل قطعي في إثبات الحكم في صورة النزاع عند الأكثر، ولا خلاف في حجيته»([22]).

أما الاستقراء الناقص أو غير التام فهو الذي كان محل النزاع بين العلماء؛ أما المالكية والشافعية والحنابلة فيعتبر عندهم حجة في الاستدلال؛ لأن الغالب الأكثري في رأيهم كحكم الكلي العام، فيلحق الفرد النادر الخارج بالأعم الأغلب.

يقول الإمام القرافي بعد بيانه لدلالة الاستقراء الناقص المفيدة للظن: «وهذا الظن حجة عندنا وعند الفقهاء»([23]).

أما الإمام الغزالي فاعتبر أن الاستقراء «إن لم يكن تاماً لم يصلح إلاّ للفقهيات؛ لأنه مهما وجد الأكثر على نمط غلب على الظن أن الآخر كذلك»([24]).

فالاستقراء الناقص عند الإمام الغزالي يفيد ظناً راجحاً، يغلب عليه ميل إلى القطع، الذي يرفعه إلى مرتبة الحجية المعتبرة، وعلى هذا السبيل ثبت عند الإمام الشافعي أن «أقل سن الحيض تسع سنين، وأن أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، وغالبه ست أو سبع، ومعلوم أن الشافعي لم يستقرئ حال جميع نساء العالم في زمانه، ولا حال أكثرهن، بل ولا حال نصفهن، ولا ما يقرب منه، فضلاً عن نساء العالم على الإطلاق؛ للقطع بعدم استقرائه حال جميع الأعصار المتقدمة عليه»([25])، وكان هذا هو مسلك الإمام الشافعي في تقرير كثير من أحكامه الشرعية وقواعده الأصولية([26]).

وهو رأي الشاطبي كما تبين، وكما سيتضح أكثر في ما بعد؛ لأنه عادة ما يقيم معرفته العلمية في علوم الشريعة على قاعدة «أن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي»، ثم قاعدة «غلبات الظنون معتبرة في الشريعة».

أما الحنفية فلم يعترفوا بالاستقراء الناقص بصفته دليلاً مستقلاً في إثبات الأحكام الشرعية، ذهاباً منهم إلى أنه راجع إلى القياس إذا دل على وصف معتبر جامع لجميع الجزئيات، أو أنه راجع إلى العرف والعادة([27]).

أما ابن حزم فكان أكثر صراحة في موقفه من حجية الاستقراء بنوعيه، إذ حذّر طالب الحقيقة والعلم أن لا يعتمد إلا على ما تم من استقراء، فقال: «ينبغي لكل طالب حقيقة أن يُقرّ بما أوجبه العقل، ويقرّ بما شاهد وأحس، وبما قام عليه برهان راجع إلى الناس المذكورين، وأن لا يسكن إلى الاستقراء أصلاً، إلا أن يحيط علماً بجميع الجزئيات التي تحت الكل الذي يحكم فيه، فإن لم يقدر فلا يقطع في الحكم على ما لم يشاهد، ولا يحكم إلا على ما أدركه، دون ما لم يدرك»([28]).

فالاستقراء الناقص عند ابن حزم لا حجية له؛ لأنه لا يقوى على طلب الحق وإدراك المعرفة اليقينية، «وهذا يعني أن الاستقراء لا يكون تكهناً وتحكماً إلا إذا كان استدلالاً بالشاهد على الغائب، وتسوية بين طرفين لا متساويين، كالخالق والمخلوق، والطبيعة وما فوقها، والإنسان والله، أما إذا كان توسيعاً وتعميماً لنتائج تجاربنا على تجارب أخرى لم نخبرها، فإن اطراد حوادث الطبيعة واستمرارها وسببيتها، وكل ذلك معلوم عقلاً، ينتج لنا ذلك»([29])، وبالتالي لا يجوز الركون إليه واعتباره حجة قطعية في جميع الحالات؛ لأن إسقاط القياس من الاستدلال عنده مؤثّر في إسقاط الاستقراء ابتداءً، ومن باب أولى.

هذه أهم المواقف الأصولية من حجية الاستقراء بنوعيه.

ولعل مردّ هذا الاختلاف بين العلماء إلى أمور، أهمها:

الأول: إن ورود أدلة أخرى من جهة أولى تغني عن إعمال دليل الاستقراء على حالته الظنية، لا في حالة اعتباره واعتماده من حيث الأصل، كما هو ثابت عند الحنفية.

الثاني: إن دليل الاستقراء لا يصح الاستـناد إليه في إدراك الحقائق العلمية، ولا يمكن الاحتجاج به؛ لأنه غير صالح على الإطلاق في التماس القطع، وهو رأي متأثر إلى حدٍّ ما بالاعتبارات المنطقية القادحة في الاستقراء الناقص، وعلى ذلك سار ابن حزم الظاهري.

الثالث: إن غالب الظن معتبر في الاستدلال وصحيح في الاحتجاج به؛ لأنه بمثابة العام الكلي المفيد للقطع؛ لأن النوادر وآحاد الجزئيات لا يقدح تخلفها في سلامة الكليات وقطعيتها، وعلى ذلك رأي الإمام الشاطبي، وباقي المالكية، وكذا الشافعية.

 

دلالة الاستقراء التام، إفادة اليقين وتحصيل القطع

لا يختلف أهل العلوم النقلية أو العقلية في أن الاستقراء التام يفيد القطع والعلم اليقيني، بل هو من حيث أصله تم على تمام حكم أو معنى يقوم عليه بحسب الضرورة المنطقية والعقلية، فلا ينتج عنه إلا قانون عام مطّرد خال من الشذوذ، ولا يتطرق إليه احتمال.

فالاستقراء التام المحصي لكل الجزئيات لا يعدو أن يدل على أحكام قطعية وعلوم يقينية بالطبيعة، فثبت بهذا ـ كما قال الغزالي ـ أن الاستقراء إن كان تاماً رجع إلى النظم الأول، وصلح للقطعيات، فيحصل من هذا أن التام يفيد العلم([30]).

ويطلق على هذا النوع من الاستقراء اسم القياس المنطقي، الثابت فيه العلم والقطع عند أهل المنطق([31]).

ولا يفوتـني هنا أن أشير إلى أن موجة إعادة النظر في المناهج العلمية، والثورة الفكرية، اللذين عرفهما البحث العلمي في الآونة الأخيرة، قد أفرزتا تصورات جديدة حول منهج النظر بالاستقراء، الذي أصبح لدى بعض المذاهب المنهجية لا يلبي الرغبة القطعية في كل ضروبه، وليس وسيلة يقينية للحصول على علم قطعي أو مضبوط([32])، كما جاء أيضاً «الفكر الحديث مبدياً عدم تفاؤله بأي حل لإنقاذ المعرفة البشرية من براثن الشكوك والظن»([33])؛ لأنه في نظر أصحابه يتميز بخصائص([34])، منها:

أولاً: إن نتائج استدلاله ليست صحيحة بالضرورة صحيحة.

ثانياً: إنه لا ينطلق بالضرورة من مقدمة أو مقدمات منطقية.

وانطلاقاً من ذلك فالشك في الاستقراء ممكن عند البعض الآخر؛ لأنه من الواضح أن الناس يميزون بين ما هو صائب أو غير صائب في الغايات الاستقرائية([35]).

وقد استدل الأصوليون على مسألة تلازم وتوافق الأدلة الشرعية لقضايا العقول بعدة وجوه، من بينها: وجه الاستقراء التام الذي يفيد القطع بها، حيث اعتبر أن مورد التكليف هو العقل، وذلك ثابت قطعاً بالاستقراء التام»([36]). وهذا الأمر مسلم؛ لأن تمام الاستقراء واستغراقه لكل الفروع المستقرأة ينشأ عنه القطع واليقين.

كما يؤكد الشاطبي هذه القطعية من خلال موافقته لمستشكل أو معترض على مدى اعتبار الجزئي بعد حصول العلم والقطع بالقاعدة الكلية، مع تحفظه على بعض التفصيلات التي رآها غير مناسبة للوفاق عليها؛ «لأن الاستقراء قطعي إذا تم، فالنظر الجزئي بعد ذلك عناء، وفرض مخالفته غير صحيح، كم أنا إذا حصلنا من حقيقة الإنسان مثلاً بالاستقراء معنى الحيوانية لم يصح أن يوجد إنسان إلا وهو حيوان، فالحكم عليه بالكلي قطعي لا يتخلف»([37]).

ولكي يُبيِّن أبو إسحاق قطعية أحكام الاستقراء ونتائجه المستخلصة من كماله أكثر نلفاه يساوي في القطعية بين الأصول الكلية الثابتة بالاستقراء ومن تتبع الفروع والأفراد وبين الأصول المعتبرة بالأدلة القطعية المعينة، إلى حدّ ترجيحها عليها حالة ارتفاعها عليها من حيث القوة، كما تأخذ حكمها كباقي الأصول الثابتة، يقول: «والأصل الكلي إذا كان قطعياً قد يساوي الأصل المعين؛ وقد يربى عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه، كما أنه قد يكون مرجوحاً في بعض المسائل حكم سائر الأصول المعينة المتعارضة في باب الترجيح»([38]).

وفي مجال التقعيد لأصول الفقه، وإثبات يقينيتها المفيدة القطع، استثمر الأصوليون الاستقراء الكلي التام أسلوباً مهماً للوصول إلى ذلك. فالشاطبي يعتبر دلالة أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية، وترجع بالأساس إلى وجهين: «أحدهما: أنها ترجع إما إلى أصول عقلية، وهي قطعية؛ وإما إلى الاستقراء الكلي من أدلة الشريعة، وذلك قطعي أيضاً، ولا ثالث لهذين إلا المجموع منهما، والمؤلف من القطعيات قطعي»([39]).

فالأصوليون يعتبرون الاستقراء التام محصّل للعلم المفيد للقطع، الذي لا يمكن مخالفته أو التغاضي عن نتائجه العلمية؛ لأنه تترتب عليه أحكام شرعية عديدة تلزم المكلف، وتـنبني عليها فروع فقهية أخرى ينبغي اعتبارها.

ويبقى من أهم الإشكالات المطروحة في مجال بحث دلالة الاستقراء التام ومنهجه العلمي في علوم الشريعة عند الأصوليين هو مفهوم التمام أو الكلية المنسوبة إلى الاستقراء في تلك الأبواب الشرعية؛ إذ كيف يتصور تتبع وتصفح كل الجزئيات والفروع المندرجة تحت ذلك الحكم من دون استثناء، ومن دون نقص أو تقييد، وخاصة إذا علمنا تعذر ذلك على كل تقدير في مجال العلوم الإنسانية؟ وهذا ما جعل البعض يتساءل عن الأساس الذي يعتمد عليه في الانتقال من الجزئي إلى الكلي، أي من الحوادث المشاهدة إلى غير المشاهدة، معتبراً أن طرق الاستقراء لا تجيز هذا التمام والتعميم، «بل يبرهن على صدق الفرضية بالنسبة إلى الحقائق المشاهدة لا غير»([40])؛ لكنّ البعض الآخر يحدد دراسة عملية الاستقراء في مسألتين: «الأولى: مسألة المبدأ أو البادئ التي تقوم عليها فكرة المنهج التجريبي نفسه؛ وثانياً: مسألة الضمان الذي يضمن لنا الانتقال من الحالات الجزئية المشاهدة إلى وضع القانون العام»([41]).

هذا بالإضافة إلى أن «قطعنا بالنتيجة الاستقرائية يتوقف على استحضار كل الجزئيات وتتبعها بشكل مطلق، فإن الاستقراء سيكون بالضرورة ناقصاً مادام حصول ذلك غير ميسر»([42]). وعليه فإن البعض يعتقد أن عملية الاستقراء تتم عبر استحضار مراقبة غير نهائية، إلا لما هو استثنائي، ولا يتم الوصول بها إلى الحقيقة في المعرفة العلمية إلا بإقصاء الأخطاء([43]) أو الحالات غير المنسجمة مع المبدأ العام.

فهل هذا ينطبق على دراسات وبحوث الأصوليين في ميدان العلوم الشرعية؟ ذلك ما سأحاول معالجته في المطلب الثاني من هذا البحث.

 

مفهوم التمام عند الأصوليين

من المفيد في تحديد هذا المفهوم إيراد تعريفات بعض الأصوليين للاستقراء؛ لأنها تحمل إشارات مهمة في ضبط ذلك.

فالاستقراء عند أبي حامد: «إذا كان تاماً رجع إلى النظم الأول، وصلح للقطعيات؛ وإن لم يكن تاماً لم يصلح إلا للفقهيات؛ لأنه مهما وجد الأكثر على نمط غلب على الظن أن الآخر كذلك».

ويظهر أن الغزالي قد قسم الاستقراء بحسب التقسيم المنطقي، غير أنه قد منح لعلوم الشريعة خصوصية المجال التداولي والطبيعة العلمية بحسبانها الاستقراء التام له من الاعتبار الظني على غير ما استقرئ، وبهذا يندر ورود استقراء تام، وعلى فرض وروده فهو قطعي، وماعداه يلحق بالظني.

أما تعريف الشاطبي فهو «تصفح جزئيات ذلك المعنى ليثبت من جهتها حكم عام، إما قطعي وإما ظني، وهو أمر مسلم عند أهل العلوم العقلية والنقلية، فإذا تم الاستقراء حكم به في كل حكم تقدر، وهو معنى العموم المراد في هذا الموضع»([44]).

وما ينفعني في هذه المسألة هو الشق الثاني من التعريف الذي يسلم فيه الشاطبي باشتراك مفهوم الاستقراء بين أهل العلوم العقلية والنقلية؛ ويربط فيه بين دلالة مفهوم الاستقراء ودلالة مفهوم العام؛ ويركز فيه بقوة على الجانب المعنوي في العملية الاستقرائية.

فكيف يمكن فهم التمام في الاستقراء على ضوء هذه المعطيات الجوهرية؟ وما أوجه التسليم به بين أهل الاختصاص النقلي والعقلي؟

يعتبر الاستقراء التام بالمفهوم المنطقي حكم على الجنس؛ لوجود ذلك الحكم في جميع أنواعه([45])، وهو الذي يصفه أهل هذا الاختصاص بالقياس المقسم أو القياس المنطقي([46])، أي أن التام لا يخرج منه فرد واحد من الأفراد أو نوع واحد من الأنواع، فهو حكم يشمل كل الجزئيات والفروع من دون استثناء. فهل هذا المعنى وارد أو قابل للورود في مجال العلوم الشرعية التي يعمل فيها الشاطبي؟

والملاحظ أن المطّلع على إنتاجات الأصوليين في هذا الصدد بالخصوص يستوقفه تحاملهم الواضح والبيّن على علم المنطق وأهل علم المنطق، وآلياتهم التي يوظّفونها في مناهج البحث، التي لا تتـناسب مع طبيعة البحث في العلوم الشرعية. وخذ على سبيل التمثيل: مناقشة الشاطبي للقاعدة الشرعية «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»([47])، التي وظف في فقهها بعض المتحمسين للمناهج المنطقية اعتباراتهم الفلسفية، حتى أخلّوا بالمعنى والقصد الشرعي، فلم تتخلص لهم المسألة، ولم يفد الإتيان بها، فقال معقّباً عليهم: «واعلم أن المراد بالمقدمتين هاهنا ليس ما رسمه أهل المنطق على وفق الأشكال المعروفة، ولا على اعتبار التـناقض، والعكس، وغير ذلك، وإن جرى الأمر على وفقها في الحقيقة فلا يستتب جريانه على ذلك الاصطلاح»([48]).

وقال منتقداً أيضاً مسالكهم: «فأتى الفلاسفة إلى تلك الأصول فلقفوها أو تلقفوا منها، فأرادوا أن يخرجوه على مقتضى أصولهم، وجعلوا ذلك عقلياً لا شرعياً، وليس الأمر كما زعموا»([49]).

فإذا لم يكن هذا الرأي، الذي يتبناه الشاطبي المخالف لمنهج أهل المنطق وآلياتهم، قادحاً في أساس اعتباره وإعماله على سبيل الكلية والإجمال فلا شيء يمنع من تصوره وفهمه على وفق القدح في منهج التعامل به، ووفق توجيه النقد لمدى استثماره في مجال العلوم الشرعية بالصورة التي جرى عليها ذلك الإعمال المتعسف، الشيء الذي يضع في نظري الأرضية المعبدة أمام الأصوليين لتسويغ العمل على توظيف المنهج الفلسفي والمنطقي في مواضع كثيرة من القضايا الشرعية، بالشكل الذي يعتبرونه مناسباً وفعالاً، ووفق الضوابط التي رسمها في استعارة الآليات المنطقية، ومنها آلية الاستقراء في مجاله.

لكن عندما نبحث في أوجه الربط التي وصل به الشاطبي مسلك الاستقراء مع مسلك العام ومسلك التواتر المعنوي في فقه الخطاب الشرعي نفهم أكثر حقيقة التمام والإطلاق المراد عنده.

والفرق بين الشاطبي وباقي الأصوليين هو أنه يقصد بالعموم «العموم المعنوي، كانت له صيغة مخصوصة أو لا، فإذا قلنا في وجوب الصلاة أو غيرها من الواجبات، وفي تحريم الظلم أو غيره، إنه عام، فإنما معنى ذلك أن ذلك ثابت على الإطلاق والعموم بدليل صيغة أو لا، بناء على الأدلة المستعملة هنا، وهي الاستقرائية المحصّلة بمجموعها القطع بالحكم»([50]).

فدلالة العموم عند الشاطبي مسألة بالغة مبلغ القطع بصيغها الدالة عليها، أو بأدلتها المتعددة القائمة؛ لأنها ثابتة من جهتين:

الأولى: الصيغة الدالة على ذلك العموم القطعي.

الثانية: جهة الاستقراء المعنوي التام. وقد أسهب في بيان هذا المأخذ بمثال صريح عليه لمّا كان يقعّد لمسألة رفع الحرج في الشريعة، إذ قال: «فكذلك إذا فرضنا أن رفع الحرج في الدين مثلاً مفقود فيه صيغة عموم فإنا نستفيده من نوازل متعددة خاصة، مختلفة الجهات، متفقة في أصل رفع الحرج، فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملاً بالاستقراء، فكأنه عموم لفظي، فإذا ثبت اعتبار التواتر المعنوي ثبت في ضمنه ما نحن فيه»([51]).

أما بعض الأصوليين فالاستقراء التام عندهم استصحب معه المعنى الذي تواتر عند المناطقة، بتتبع كل الجزئيات بدون استثناء، حتى يتم تعميم الحكم وإطلاقه، ومن ذلك ما ذهب إليه ابن حزم من ضرورة إتمام التتبع للجزئيات كلها حتى يتم القطع بالحكم، وإلا فالاستقراء يعد ناقصاً غير معتبر، حيث دعا الباحث عن الحق إلى أن يمحص في التحقيق، «وأن لا يسكن إلى الاستقراء أصلاً، إلا أن يحيط علماً بجميع الجزئيات التي تحت الكل الذي يحكم فيه، فإن لم يقدر فلا يقطع في الحكم على ما لم يشاهد، ولا يحكم إلا على ما أدركه، دون ما لم يدرك»([52]).

فيظهر إذاً ـ من خلال ما تم إثباته من نصوص ـ أن الاستقراء الأصولي يختلف عن نظيره المنطقي بحسب مجال الدراسة ومنهج البحث. فأبو إسحاق يؤسّس لاعتباره الاستقراء التام في علاقته مع العموم، والمقصود بالتمامية أو الكلية عنده في الاستقراء تلحق الجانب المعنوي من الخطاب الشرعي أكثر من غيره، وهذا الأمر يتعذر معه استيفاء كل الفروع والجزئيات حقها من النظر والتصفح، وعليه يصعب حصول مطلق التعميم والتمام؛ «ذلك أن حصول القطع في المعرفة التواترية لا يتوقف على نقطة أو مرحلة بعينها، فالمستقرئ يظل يتتبع جزئيات ظنية كثيرة حتى يحصل له علم قطعي بمسألة ما وفي لحظة ما، وحصول تلك المعرفة القطعية لا يشترط فيها استـنفاد جميع الجزئيات وحصرها، وإلا كان ذلك من المستحيلات المنطقية»([53]).

وبهذا يمكن الخلوص إلى نتيجة مفادها أن مفهوم الاستقراء التام في مجال الخطاب الشرعي عند الأصوليين هو تصفح جزئيات ذلك المعنى إلى الحد الذي يطمئن فيه المستقرئ بحصول القطع المطلق، وإن لم يتم ذلك فعلياً على وجه عملي مع وجود إمكانات تخول رد ما يمكن أن يكون استثناء عارضاً. وقد أفصح الشاطبي عن هذا المفهوم بشكل يقترب من التصريح لما قال: «ولما كان قصد الشارع ضبط الخلق إلى القواعد العامة، وكانت العوائد قد جرت بها سنة الله أكثرية لا عامة، وكانت الشريعة موضوعة على مقتضى ذلك الوضع، كان من الأمر الملتفت إليه إجراء القواعد على العموم العادي، لا العموم الكلي التام الذي لا يختلف عنه جزئي ما»، ثم يؤكد ذلك بتـنبيهه «فليكن على بال من نظر في المسائل الشرعية أن القواعد العامة إنما تـنزل على العموم العادي»([54]).

 

دلالة الاستقراء الناقص

مادامت إمكانية حصول عملية الاستقراء التام صعبة الورود والاستثمار في مجالات علوم الشريعة، ونادرة الوقوع فيها؛ بالنظر إلى الاختلاف الحاصل بينها وبين مجالات علوم المنطق والفلسفة، فإن حصول ما هو أدنى من حيث التمام من تلك العملية فيها أمر قائم وحاصل بالضرورة، وهو الأكثر استخداماً في فقه الخطاب الشرعي.

والاستقراء الناقص هو الضرب الذي اعتمده الأصوليون في بناء الأحكام الكلية الفقهية وتحرير المسائل الأصولية.

 

إفادة الاستقراء الناقص للقطع

قد يكون من باب الإسهاب في البيان والزيادة في التوضيح محاولة الاستدلال على قطعية الاستقراء الناقص عند الأصوليين؛ بالنظر إلى ما تم تقريره من أن تعلق التمام والكلية بعملية الاستقراء إنما هو تعلق أساسه مجازي على سبيل الثقة في ما لم يَستقرئ انطلاقاً من الفقه العام للقصد الشرعي، وضابطه حصول الاطمئنان عند النفس بتمام المعنى في باقي القضايا الشرعية الأخرى، ولا تربطه صلة دلالية مع المفهوم المنطقي للاستقراء التام أو القياس المنطقي المقسم، ثم لأن «الاستقراء الناقص ليس معناه ـ على صفة الإطلاق ـ عدم احتمال اليقين»([55])، إلا أن هذا المذهب الذي التزمه الأصوليون يشكل مثار جدل واسع في الأوساط العلمية والمنطقية، التي تعتبر جوهر مشكل الاستقراء منطقياً أكثر مما هو مشكل نفسي له صلة بالثقة؛ إذ «كيف يسوغ اعتبار الحقيقة القائلة بأن وجود انتظام من الحالات الملاحظة دليل على أنها تستمر على العموم؟»([56]).

لكن ثمة أمراً دقيقاً يمكن أن يكون مفتاح تفسير حصول الدلالة القطعية في الناقص يدفعني إلى الوقوف عنده، وإن كان هناك تقارب ملموس بين مفهوم الاستقراء التام والناقص؛ لانعدام فروق جوهرية بينهما من حيث الدلالة القطعية.

من القواعد التي بنى عليها الأصوليون شرعية الاستقراء الناقص في إثبات مجموعة من الأحكام والكليات قاعدة «إن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي»([57])، فقطعية الاستقراء الناقص الأغلبي أو الأكثري محسوم فيها، كما تم الحسم في الاستقراء التام والعام عند الأصوليين والمناطقة. يقول الدكتور أحمد الريسوني: «وعلى هذا فإن الثابت أن استقراء حالات كثيرة، وليست أكثرية، إذا أعطانا اطراداً في حكمها فإنه يعطينا أيضاً رجحاناً في كون نظائرها لها نفس الحكم، ويبقى أن الارتقاء من الكثير إلى الأكثر يعطينا مزيداً من القوة قد تصل بنا إلى القطع أو ما يقرب منه»([58]).

فتخلف بعض الأفراد والجزئيات عن الاستقراء لا ينقص من قيمته العلمية ودلالته القطعية؛ لأن «الكلية في الاستقرائيات صحيحة، وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات»([59])، وبهذا يكون قد تم وضع هوامش لتلافي المستثنيات والخوارج من الفروع، ولم يعد لها مجال لتحول بين حدود الأغلبية الأكثرية وحدود التمام والكلية؛ لأنها غير معتبرة أمام حصول المعرفة القطعية في الكليات الاستقرائية بذلك الشكل.

وفي مسألة الحيل التي تكون سبباً في إسقاط واجب أو إباحة محرَّم يقول الإمام الشاطبي: «الحيل في الدين بالمعنى المذكور غير مشروعة في الجملة، والدليل على ذلك ما لا ينحصر من الكتاب والسنة، لكن في خصوصات يفهم من مجموعها منعها والنهي عنها على القطع»([60]).

بل ذهب الإمام الشاطبي إلى أبعد من ذلك؛ إذ اعتبر أن الدلائل الظنية تجري في الشرع مجرى الدلائل القطعية، ولا يمكن بأية حال من الأحوال إسقاط اعتبار الظن بمعارضة القاطع([61]).

ومن جهة أخرى يذهب سراج الدين الأرموي إلى أن الاستقراء الناقص لا يفيد اليقين؛ لجواز أن يكون حكم نوع من جنس مخالف لغيره، والأظهر أنه لا يفيد الظن إلا لمنفصل، وحيث يفيده فهو حجة([62]).

أما ابن النجار الحنبلي فالاستقراء عنده مراتب بحسب درجات الجزئيات المستقرأة، وعلى ذلك فإنه تـنعكس دلالته على تلك المراتب. يقول: «فهو ظني، ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات، فكلما كان الاستقراء في أكثر كان أقوى ظناً»([63])، أي إن الاستقراء الناقص قد يصل إلى مرتبة تقترب من القطع إذا ما كانت نتيجته الاستقرائية غالب الظن فيها، وذلك معتبر عند أهل الأصول اعتبار العام القطعي.

والاستقراء عند الإمام القرافي: هو «تتبع الحكم في جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة، باستقراء الفرض في جزئياته بأنه يؤدى على الراحلة فيغلب على الظن الوتر لو كان فرضاً لما أدي على الراحلة، وهذا الظن حجة عندنا وعند الفقهاء»([64])؛ لأن غلبات الظنون معتبرة([65]) في فهم أصول الخطاب الشرعي.

و بناء على هذا الفهم للاستقراء الناقص يخلص الشاطبي، بعد استقرائه لجملة من النصوص الشرعية الدالة على تعليل الأحكام الشرعية، وتتبعه لها في القرآن والسنة بشكل غير كلي وغير تام لكل الفروع النصية، إلى أنه «إذا دل الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم، فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة»([66]).

إلا أنه لابد من القول: إنه وإن كان الاستقراء الناقص «يطرح مشكلاً فلسفياً من الناحية المنطقية؛ لأن اعتماد معطيات أولية لا تقوى على إثباتها بهذا النوع من الاستقراء، فإن اعتماده في البحث في مثل هذه العلوم الأخرى أصبح ضرورة علمية»([67])، لأجل ذلك يتصور الاستقراء في بعض الأحيان بأنه «لا يمكن عرضه معفى من الخطأ؛ لأن الاستـنتاجات الاستقرائية لا يمكن إظهارها على أنها تعود إلى خلاصات صحيحة قطعاً، رغم أن المقدمات المنطقية، أي تصوير الأحداث أو الوقائع الخاصة، كلها صحيحة»([68]).

ورغم ذلك فإن دلالة الاستقراء الناقص في إحاطته وتصفحه تبقى قطعية عند الأصوليين، وإن كان هذا النقصان الحاصل فيه يعود في أصوله العلمية إلى وجوه متعددة؛ فقد يكون النقصان على مستوى عدم استيفاء جميع الفروع المندرجة تحت الأصل الكلي أو النتيجة الاستقرائية، وضابط ذلك أن الفروع غير المستقرأة يلحقها الحكم الكلي بالضرورة؛ ليقين حاصل عند المستقرئ بأنها مثل شبيهتها المستقرأة؛ أو على مستوى تخلف بعض الآحاد الجزئية عن الدخول تحت المعنى الكلي، لأنها معتبرة كذلك؛ لعدم قدرتها على القدح في الكلية القطعية، وضابط ذلك أن تخلف آحاد الجزئيات لا يقدح في الكليات، كما هو مقرر عند أبي إسحاق.

 

تعليل قطعية الاستقراء الناقص

يتبين مما سبق أن استقراء الفروع والجزئيات غير المكتمل، الذي تـنقصه أفراد معينة تحول دون اكتماله وتمامه، إما من جهة عدم إلحاق الاستقراء بها، أو من جهة تخلفها عن مقتضى الكلية الخاصة، يفيد الظن الغالب المعتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، فكيف يسوغ الأصوليون مذهبهم في القطع به؟ وما هو تعليلهم في ذلك؟

فالشاطبي مثلاً، لما استفرغ وسعه في إثبات الكليات الثلاث: الضروريات؛ والحاجيات؛ والتحسينيات، واعتبارها من القضايا القطعية التي شرعت لمصالح العباد، اعترضته في بحثه الاستدلالي بعض الجزئيات التي قد تقدح أو تخرم ما وصل إليه من نتائج قطعية، لكنه لم يعتبر ذلك مشكلاً إلى الحد الذي يزيل عن استدلاله الاستقرائي في جانبه الناقص دلالته العلمية بالقصد الأول، ويرفع عن الكليات الاستقرائية قطعيتها بالتبع. يقول: «هذه الكليات الثلاث إذا كانت قد شرعت للمصالح الخاصة فلا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات، ولذلك أمثلة: أما في الضروريات فإن العقوبات مشروعة للازدجار، مع أنّنا نجد من يعاقب فلا يزدجر عما عوقب عليه، ومن ذلك كثير. وأما في الحاجيات فكالقصر في السفر، وهو مشروع للتخفيف وللحوق المشقة، والملك المترفّه لا مشقة له، والقصر في حقه مشروع؛ والقرض أجيز للرفق بالمحتاج، مع أنه جائز أيضاً مع عدم الحاجة. وأما في التحسينيات فإن الطهارة شرعت للنظافة على الجملة، مع أن بعضها على خلاف النظافة، كالتيمم، فكل هذا غير قادح في أصل المشروعية»([69]). فكل ما ذكره الشاطبي من فروع فقهية، الظاهر فيها مخالفة الكليات في اطرادها وقدحها في عمومها، لا تمثل جزئيات قادرة على تغيير ثبات تلك الكليات التي حصل العلم بها عبر مسلك الاستقراء؛ «لأن الأمر الكلي إذا ثبت كلياً فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كلياً. وأيضاً فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي؛ لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت»([70]).

وقد أشار الإمام الغزالي إلى مثل هذا التسويغ حين تحدث عن الاستقراء عموماً، فقال: «فثبت بهذا أن الاستقراء إذا كان تاماً رجع إلى النظم الأول، وصلح للقطعيات؛ وإن لم يكن تاماً لم يصلح إلا للفقهيات؛ لأنه مهما وجد الأكثر على نمط غلب على الظن أن الآخر كذلك»([71]).

فغلبة الظن عند الغزالي تدرج في الكلي ما هو غير مستقرأ مادامت الجزئيات الأكثرية مستقرأة ومتتبعة في مظانها، وهذا التصور للمسألة يخالف في أساسه الرأي القائل بأن «التحليل الشكلي لقواعد الاحتمال الاستقرائي غير قادرة في حد ذاتها على تحديد أوجه الربط بين تلك القواعد المبررة للتعليل الاستقرائي»([72])، فالظن الغالب راجح في بلوغ اليقين والقطع لديه، كما هو عند الأصوليين.

وإلى هذا أشار أيضاً العطار في حاشيته عندما بيّن عدم عمل صورة النزاع أو المتخلفات في الكليات الاستقرائية، فقال «لا يقدح في إفادة القطع؛ لأن الاحتمالات البعيدة لا تـنافي القطع العادي، كما قالوا في إفادة التواتر العلم من أن احتمال التواطؤ على الكذب لا ينافي إفادته العلم الضروري»([73]).

وقد يكون الاستقراء الناقص قطعياً في دلالته، علمياً في إفادته؛ لسبب آخر يتعلق بوضع الجزئيات والأفراد، التي قد تبدو متخلفة قادحة من حيث الظاهر، لكنها غير داخلة البتة ضمن جزئياته المقصودة أو الأفراد المرادة، من حيث مقتضاها الأصلي التي قد وجدت لما هي أولى به، وهو ما أشار إليه أبو إسحاق في نفس المسألة التي يجتهد فيها قصد إثبات تشريع الكليات للمصالح، حيث قال: «فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارجة عن مقتضى الكلي، فلا تكون داخلة فيه أصلاً، أو تكون داخلة عندنا لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى، فالملك المترفّه قد يقال: إن المشقة تلحقه، لكنّنا لا نحكم عليه بذلك؛ لخفائها، أو نقول في العقوبات التي لم يزدجر صاحبها: إن المصلحة ليست الازدجار فقط، بل ثمة أمر آخر وهو كونه كفارة؛ لأن الحدود كفارات لأهلها، وإن كانت زجراً أيضاً عن إيقاع المفاسد. وكذلك سائر ما يتوهم أنه خادم للكلي. فعلى كل تقدير لا اعتبار بمعارضة الجزئيات في صحة وضع الكليات للمصالح»([74]).

وعلى الجملة يمكن حصر أهم الأسباب التي يسوّغ بها أهل الأصول قطعية الاستقراء الناقص في مجال العلوم الشرعية في ستة مبادئ أساسية:

الأول: إن خروج بعض الأفراد والجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرم وضعه الكلي، وبالتالي لا يقدح في إفادته القطع والعلم اليقين.

الثاني: إنه في حالة تخلف بعض آحاد هذه الجزئيات وخروجها عن مقتضى الكليات فإنها لا تـنتظم بكاملها لتـنشئ في استقلالها كلياً آخر بمقدوره أن يضاهي الكلي الأصلي أو يقف معارضاً في وجه اطراده.

الثالث: إن المتخلفات الجزئية، وإن ظهرت قادحة ومعارضة للأصلي الكلي، فإنها قد تكون شرعت أو وجدت للدخول في أصل كلي آخر، وفي خدمة جانب أولى من الجانب الأول.

الرابع: إن الأدلة إذا تعددت عند الباحث أو المستقرئ في الجزئيات فإنها تدعم بعضها البعض، فتكون بمجموعها جملة ظنيات تقوم مقام العام القطعي الصحيح، كما أشار إلى ذلك الشاطبي، حيث قال: «وإذا تكاثرت الأدلة عضد بعضها بعضاً فصارت بمجموعها مفيدة للقطع»([75]).

الخامس: إن الأصوليين لا يجدون فرقاً واسعاً بين ما يسمى بالتواتر في مجال الأخبار ودليل الاستقراء في مجال الفروع الشرعية النصية المتواردة، إما من حيث المعنى أو من حيث اللفظ، فإذا كان العلم التواتري لا يمكن تحديده بعدد معين من الأفراد، وبالتالي مهما استوعب من أفراد سيبقى قاصراً عن التمام، فكذلك الاستقراء الناقص في الفروع الشرعية.

السادس: إن تخلف بعض الجزئيات وآحادها في الاستقرائيات الكلية في مجال العلوم الشرعية والإنسانية عموماً لا يقدح في القطع بها، بخلاف العلوم العقلية الأخرى. يقول الشاطبي: «هذا شأن الكليات الاستقرائية. واعتبر ذلك بالكليات العربية، فإنها أقرب شيء إلى ما نحن فيه؛ لكون كل واحد من القبيلين أمراً وضعياً لا عقلياً. وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحاً في الكليات العقلية، كما نقول: «ما ثبت للشيء ثبت لمثله عقلاً» فهذا لا يمكن فيه التخلف البتة؛ إذ لو تخلف لم يصح الحكم بالقضية القائلة: «ما ثبت للشيء ثبت لمثله»([76]).

هذه مجموعة عناصر اعتمدها الأصوليون في مواضع متفرقة من الموافقات في تسويغ علمية الاستقراء الناقص، وإضفاء المعرفة القطعية على دلالة الاستقراء الناقص، كما أنها مستـندات علمية في إعمال الاستقراء بشكل عام في قضايا فقهية ومسائل أصولية عديدة.

الهوامش

 

 

(*) باحث متخصّص في الدراسات الفقهية والأصولية، من الجزائر.

([1]) ابن منظور، لسان العرب 1: 129؛ القاموس المحيط: 62؛ تاج العروس 1: 101؛ محيط المحيط: 722.

([2]) انظر: جميل صليبا، المعجم الفلسفي 1: 72.

([3]) زكي نجيب محمود، المنطق الوضعي في فلسفة العلوم 2: 165.

([4]) النجاة في المنطق والحكمة المنطقية والفلسفة الإلهية: 93، وانظر أيضاً: الإشارات والتـنبيهات 1: 418، والشفاء: 557.

([5]) معيار العلم: 115.

([6]) انظر: Poirier, Rene, Remarques Sur La Probabilite Des Inductions،Paris, Librairie 35 Philosophique, 1931, P

([7]) مفاتيح العلوم: 91.

([8]) التعريفات: 72.

([9]) مجموعة من المختصين، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك: 164.

([10]) المستصفى: 41، والتعريف أثبته في محله؛ انظر أيضاً: 73.

([11]) شرح تـنقيح الفصول: 448.

([12]) المحصول 6: 161.

([13]) روضة الناظر 1: 142.

([14]) الموافقات 3: 221.

([15]) مرتقى الوصول إلى علم الأصول: 130.

([16]) الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة: 248.

([17]) الأسس المنطقية للاستقراء: 6.

([18])j.lachelier,du fondement de l’induction et outres texts.ed,faryarrd, 1992, P9

وانظر أيضاً: Jacques francau, La Pensee Scientifique, Ed,Labor, Bruxelles, 1968. P54

([19]) معجم مصطلحات أصول الفقه: 60.

([20]) منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية: 170.

([21]) انظر: P324 Mill, Stuart،Systeme De Logique, Paris،Librairie Philosophique..Pierre Mardage, Ed 1988, P324

([22]) الشنقيطي، نثر البنود على مراقي السعود 2: 163.

([23]) شرح تـنقيح الفصول: 448.

([24]) المستصفى: 41.

([25]) نثر البنود على مراقي السعود 2: 165.

([26]) انظر: عبد الوهاب أبو سلمان، منهجية محمد بن إدريس الشافعي: 39ـ40.

([27]) وهبة الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي 2: 917.

([28]) التقريب: 166، انظر أيضاً: عبد المجيد تركي، موقف ابن حزم الأصولي من منطق أرسطو: 289 (أعمال ندوة الفكر العربي) الثقافة اليونانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط.

([29]) سالم يفوت، ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس: 226.

([30]) انظر: معيار العلم: 118؛ المستصفى 1: 52.

([31]) انظر: معجم مصطلحات أصول الفقه: 60.

([32]) انظر: Antoine Arnould et Pierre Nicole, La Logique ou Lart De Penser، Paris،Librairie Philosophique J,Vrin,2ed, P259

([33]) يحيى محمد، «أطروحة الفكر: الصدر ومذاهب الاستقراء»: 293، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، عدد 11 ـ 12 / 2001 ـ 1421.

([34])Pranab،Kumar Sen،Logic Indution, Humanities Press Atlantic Highlands, Ed 1980, P98

([35]) انظر:Hacking, Ian, The Emergence, Of Probability, Cambridge university press, Ed, 1984, P 176

([36]) الموافقات 3: 19.

([37]) الموافقات 3: 4.

([38]) الموافقات 1: 27.

([39]) الموافقات 1: 19 ـ 20.

([40]) جميل صليبا، المنطق: 285.

([41]) عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي: 170.

([42]) عبد الرحمن بدوي، أرسطو: 79 ـ 80.

([43]) انظر:, L induction Sientifique Et Les Lois Naturelles: 2Ed, 1975, P91   ، Robert Blanch

([44]) الموافقات 3: 221.

([45]) سبق ذكر هذا التعريف مع أرسطو في مطلب تعريف الاستقراء.

([46]) انظر: ابن سينا، الشفاء: 559؛ الجرجاني، التعريفات: 32.

([47]) رواه مسلم، رقم 2002، انظر: تخريج الشيخ مشهور 4: 360.

([48]) الموافقات 4: 249.

([49]) الاعتصام 1: 32.

([50]) الموافقات 3: 194.

([51]) الموافقات 3: 222.

([52]) التقريب: 166.

([53]) يونس صولحي، الاستقراء في مناهج النظر الإسلامي، نموذج الموافقات: 72 ـ 73، مجلة إسلامية المعرفة.

([54]) الموافقات 3: 197 ـ 198 ـ 200.

([55]) مهدي فضل الله، مدخل إلى علم المنطق ـ المنطق التقليدي: 240.

([56]) Sydney Choemker, “Properties, Causation, And Projectibility”, Proceedings Of Conference At The Gueen’s College, Oxford, 21ـ24 August 1978, Ed، Clarender Press, Oxford, 1980, P293

([57]) الموافقات 2: 42.

([58]) نظرية التقريب والتغليب: 109.

([59]) الموافقات 2: 41.

([60]) الموافقات 2: 288.

([61]) انظر: نفس المصدر 2: 253.

([62]) التحصيل من المحصول 2: 331.

([63]) شرح الكوكب المنير: 109.

([64]) شرح تـنقيح الفصول: 448.

([65]) الموافقات 1: 254.

([66]) الموافقات 2: 5.

([67]) جمال الدين بوقلي حسن، قضايا فلسفية: 393.

([68])Jennifer Trusted, Logic Of Scientific Inference،An Introduction, British Library, First Published،GB, P6

([69]) الموافقات 2: 40 ـ 41.

([70]) الموافقات 2: 41.

([71]) المستصفى: 41.

([72]) P89 Georg, Henrik, Van, Wright, The Logical Problem, 2Ed, 1957,Green Wood Press, Publishers, Westerport,

([73]) حاشية العطار: 386.

([74]) الموافقات 2: 41.

([75]) نفس المصدر 1: 25.

([76]) الموافقات 2: 41.